تراجع أسعار القمح مع ضعف الصادرات الأوروبية بينما تتباين مخاطر اللوجستيات والبحر الأسود
تراجُع العقود الآجلة للقمح الأوروبي تحت ضغط ضعف الصادرات وعروض البحر الأسود الأرخص، بينما تشدد مستويات الأنهار المنخفضة واضطرابات البحر الأسود اللوجستيات.
الأسعار
تعرض قمح يورونِكست لموجة بيع مستمرة. فقد أغلق عقد ديسمبر 2026 عند 228.50 يورو/طن، منخفضاً 3.75 يورو أو 1.61%، وأنهى التداول على انخفاض في سبع من آخر تسع جلسات. وفي ظل الظروف الحالية، يبدو أن عقد ديسمبر المستقبلي يتجه حول مستوى 230 يورو/طن.
في المقابل، تبدو الأسعار النقدية في ألمانيا أكثر صموداً. إذ جرى تداول القمح العلفي في جنوب أولدنبرغ للتسليم في سبتمبر مؤخراً عند 229 يورو/طن، أي أقل بسبعة يورو فقط عن القمة طويلة الأجل المسجلة في 22 يوليو، في حين تراجع عقد سبتمبر في يورونِكست بنحو 24 يورو/طن خلال الفترة نفسها. وسُعِّر قمح المخابز في هامبورغ لشهر سبتمبر عند 233 يورو/طن، بزيادة خمسة يورو عن اليوم السابق، لكنه يظل أقل بـ 15 يورو عن ذروته في أواخر يوليو.
كما تتراجع أسعار القمح في شيكاغو. فقد جرى تداول عقد سبتمبر 2026 في بورصة شيكاغو (CBOT) مؤخراً قرب 636.25 سنتاً أميركياً للبوشل (نحو 203 يورو/طن)، منخفضاً 12.50 سنتاً/بوشل أو 1.92% عن التسوية السابقة. وأغلق عقد القمح العلفي الأقرب استحقاقاً في بورصة ICE بالمملكة المتحدة قرب 197.50 جنيه إسترليني/طن (حوالي 232–235 يورو/طن)، منخفضاً 0.63% خلال الجلسة، في انعكاس لضعف أوسع في مؤشرات القمح بغرب أوروبا.
العرض والطلب
وتبدو وتيرة الصادرات المبكرة للقمح اللين في الاتحاد الأوروبي لموسم 2026/27 ذات طابع بيعي واضح. إذ بلغت الشحنات حتى 2 أغسطس نحو 0.70 مليون طن فقط، مقابل 1.79 مليون طن في الفترة نفسها من العام الماضي. وتتصدّر ليتوانيا حالياً صادرات الاتحاد بنحو 203 آلاف طن، تليها بلغاريا (حوالي 162 ألف طن) ثم ألمانيا (نحو 129 ألف طن)، مع بقاء أحجامها الأسبوعية دون تغير يُذكر.
ورغم إشارة المفوضية الأوروبية إلى نقص البيانات من عدد من كبار المصدّرين مثل فرنسا وبلغاريا وأيرلندا واليونان، إلا أن الفجوة السنوية الحادة تضغط على المعنويات. وفي الوقت نفسه، تكافح أوكرانيا لإعادة توجيه نحو نصف صادراتها المعتادة من الحبوب، البالغة 6 ملايين طن شهرياً، عبر موانئ الدانوب والسكك الحديدية، في ظل استمرار التعطل الشديد لشحنات المياه العميقة من موانئ البحر الأسود. كما تقيد مستويات المياه المنخفضة في نهر الدانوب القدرة التصديرية، فيما تحد تكاليف الشحن والتأمين المرتفعة من تنافسية هذه المسارات رغم انخفاض أسعار التسليم على ظهر السفينة (FOB) الأوكرانية.
وتبدو إشارات الطلب العالمي متباينة. فقد أُغلقت أحدث مناقصة للأردن لشراء 120 ألف طن من قمح الطحن دون إبرام صفقة، وسط مشاركة محدودة من بيتين تجاريين فقط، ما يبرز ارتفاع علاوات المخاطر وحالة عدم اليقين. ومن المتوقع أن تُغلق مناقصة أردنية جديدة نحو 11 أغسطس، بينما تُراقب مناقصة الجزائر الحالية عن كثب باعتبارها مرجعاً رئيسياً لمدى تنافسية منشأ الاتحاد الأوروبي. وتبدو احتياجات الاستيراد في شمال أفريقيا أقل إلحاحاً من العام الماضي، لكن أي مشتريات كبيرة من الجزائر يمكن أن تسهم في امتصاص المعروض الأوروبي ودعم الأسعار.
اللوجستيات ومخاطر البحر الأسود
لا تزال سلاسل الإمداد الفعلية داخل أوروبا وحولها تحت ضغط. ففي نهر الراين، هبطت مستويات المياه إلى قيعان قياسية عند عدة نقاط قياس، ما قيّد بشكل حاد قدرة تحميل البارجات ورفع تكاليف الشحن لنقل الحبوب من وإلى القلب الصناعي لألمانيا. وتشير التقديرات الحديثة إلى أن العديد من مقاطع الراين عند أو أقل من أدنى مستوياتها السابقة، ولا تستطيع البارجات سوى حمل جزء بسيط من حمولاتها المعتادة، الأمر الذي يدفع الأسعار التسليمية إلى الأعلى رغم ضعف العقود الآجلة.
وفي البحر الأسود، عادت علاوات المخاطر إلى الارتفاع. فقد تم تعليق وصول السفن التجارية مؤقتاً إلى الموانئ الأوكرانية الرئيسية للمياه العميقة بعد تكثيف الضربات الروسية، ما أجبر المصدّرين على الاعتماد على ممرات الدانوب والسكك الحديدية المحدودة القدرة. وفي الوقت نفسه، أثرت الهجمات الأوكرانية في بحر آزوف على عمليات الموانئ الروسية، ما ساهم في توقعات بانخفاض صادرات القمح الروسية في يوليو بنحو الثلث مقارنة بالعام الماضي، وبمستويات أدنى بكثير من متوسط السنوات الخمس. وبصورة عامة، لا تزال المنطقة تعرض قمحاً رخيصاً نسبياً على أساس FOB، لكن مخاطر اللوجستيات وتكاليف التأمين المرتفعة تحد من توافره الفعلي.
ويؤكد تعليق مجموعة الخدمات اللوجستية الروسية «FESCO» قبول أوامر النقل الجديدة عبر البحر الأسود، بعد إغراق إحدى سفنها بطائرة مسيّرة أوكرانية، مدى هشاشة الممر البحري. وبينما تسعى السلطات الأوكرانية إلى نقل مزيد من الأحجام عبر السكك الحديدية وموانئ الدانوب، تشير التقديرات الحالية إلى إمكانية نقل نحو نصف فقط من صادرات القمح الشهرية المعتادة قبل التعطل عبر هذه المسارات البديلة في الأسابيع المقبلة.
توقعات الطقس
يلعب الطقس حالياً دوراً ثانوياً لكنه داعم. إذ تواجه معظم مناطق غرب ووسط أوروبا، بما في ذلك ألمانيا وفرنسا، ظروفاً حارة وجافة مستمرة، ما يعزز مستويات الأنهار المنخفضة أصلاً ويعقّد لوجستيات البارجات على الراين والدانوب. وتشير التنبؤات للأيام 7–10 المقبلة إلى معدلات أمطار دون الطبيعي ودرجات حرارة فوق الطبيعي عبر أحواض الأنهار الرئيسية في وسط أوروبا، ما يوحي بأن مستويات المياه لن تتعافى سريعاً وأن أوضاع اللوجستيات ستظل متشددة.
وبالنسبة لمنتجي البحر الأسود، تشير المعطيات الأخيرة إلى توفر إمدادات قمح كافية بوجه عام لموسم 2026/27، لكن استمرار تقلبات الطقس المرتبطة بأنماط «إل نينيو» يبقي مخاطر الغلة حاضرة في الأذهان. حتى الآن، يظل العامل المهيمن على القمح القابل للتصدير في منطقة البحر الأسود هو اللوجستيات والأمن، أكثر من الضغوط الزراعية.
إشارات السوق النقدي
تعكس العروض الفعلية أيضاً صورة «بيسِس» متماسكة. ففي ألمانيا، يُسعَّر القمح العلفي تسليم أرض المصنع (EXW) في درينتفيده قرب 217 يورو/طن (0.217 يورو/كغ) حتى 4 أغسطس، وهو ما يقل هامشياً فقط عن مستويات أواخر يوليو رغم التصحيح في بورصة MATIF. ويؤكد ذلك متانة قاعدة الطلب المحلي وأثر ارتفاع تكاليف النقل البري.
ولا يزال القمح الأوكراني أرخص بشكل ملموس مقوّماً باليورو. إذ تُسعَّر عروض التسليم عند حدود كييف للقمح بنسبة بروتين 9.5% قرب 160 يورو/طن، مع اقتراب القمح بنسبة بروتين 11.5% من 180 يورو/طن. وتتراوح قيم التسليم على ظهر السفينة (FOB) في أوديسا للقمح ببروتين 10.5–12.5% حول 176–180 يورو/طن، في انعكاس لتسعير هجومي لتعويض ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والمخاطر التشغيلية. وارتفع سعر القمح الفرنسي على أساس FOB قرب باريس في الأسابيع الأخيرة إلى نحو 380 يورو/طن، في حين تقع العروض الأميركية على أساس FOB في نطاق 250 يورو/طن، بما يتماشى مع مستويات بورصة شيكاغو. وتفسر هذه الفروقات الضغط الواقع على يورونِكست وصادرات الاتحاد الأوروبي، حتى مع بقاء الـ«بيسِس» المحلي في ألمانيا مدعوماً.
آفاق السوق خلال 4–6 أسابيع
من المرجح أن يظل سوق القمح خلال الشهر المقبل في نطاق عرضي مع ميل طفيف للهبوط في العقود الآجلة، مقابل ثبات أو قوة في العلاوات داخل البلاد. وتدعم الصادرات الضعيفة في بداية موسم الاتحاد الأوروبي، إلى جانب أسعار الطاقة الأضعف وتحسن الخطاب الجيوسياسي حول إيران، شهيةً مضاربية محدودة وتضع سقفاً على موجات الصعود في باريس وشيكاغو. كما يفترض أن تبقي العروض العدوانية من البحر الأسود الضغط على تنافسية صادرات الاتحاد الأوروبي.
في المقابل، تضع مخاطر اللوجستيات والأمن أرضية للأسعار. فمستويات المياه المتدنية القياسية في الراين والدانوب ترفع تكاليف نقل القمح إلى مراكز الاستهلاك في ألمانيا ووسط أوروبا، بينما تحد اضطرابات البحر الأسود من التدفق الفعلي للقمح الأوكراني والروسي الرخيص. وأي تصعيد في الهجمات على الموانئ أو الشحن، أو مزيد من التدهور في مستويات الأنهار، يمكن أن يدفع سريعاً إلى تغطية المراكز المدينة وارتداد في العقود الآجلة.
التوقعات التداولية
- المنتجون (الاتحاد الأوروبي، خاصة ألمانيا): استغلال قوة الـ«بيسِس» الحالية لبيع كميات محدودة مسبقاً للتسليم في الخريف مع الإبقاء على احتمالات الصعود مفتوحة عبر الخيارات، في ظل ارتفاع مخاطر الجيوسياسة واللوجستيات.
- مشترو الأعلاف والدقيق: توزيع المشتريات على مدى الأسابيع 4–6 المقبلة؛ الاستفادة من ضعف العقود الآجلة قرب 225–230 يورو/طن في يورونِكست، مع تأمين ترتيبات اللوجستيات مبكراً في المناطق المتأثرة بقيود الراين أو الدانوب.
- المتاجرون: مراقبة مناقصات شمال أفريقيا والشرق الأوسط (الجزائر، الأردن) عن كثب؛ إذ توحي اتساع الفروق بين MATIF وعروض FOB من البحر الأسود بفرص في التحكيم بين المناشئ والشحن لأولئك القادرين على إدارة مخاطر النقل البحري.
مؤشر الأسعار خلال 3 أيام (الاتجاه باليورو)
- قمح يورونِكست (ديسمبر 2026): ميل طفيف للهبوط إلى حركة عرضية؛ من المتوقع تداوله في نطاق تقريبي 225–232 يورو/طن طالما ظلت بيانات صادرات الاتحاد الأوروبي ضعيفة.
- السوق النقدي الألماني (قمح علفي/قمح مخابز، الموانئ والداخل): مستقر إلى أقوى قليلاً، بدعم من محدودية طاقة بوارج الراين وثبات الطلب المحلي.
- عروض FOB البحر الأسود (أوكرانيا/روسيا): مستقرة في الغالب مقوّمة باليورو؛ الهبوط محدود بقيم FOB المتدنية أصلاً، بينما يظل الصعود مقيداً بعلاوات اللوجستيات والتأمين.