ملخص تنفيذي (TL;DR)
تشهد أسواق الذرة العالمية دعمًا متزايدًا من ارتفاع أسعار النفط الخام وتكاليف الأسمدة النيتروجينية، ما يعزز توقعات تقليص المساحات المزروعة بالذرة في بعض المناطق لصالح فول الصويا. في المقابل، تبقي وفرة المعروض من البرازيل والولايات المتحدة على الضغوط الهبوطية محدودة، بينما يدعم ضعف اليورو عقود الذرة في بورصة يورونِكست. في هذه البيئة المختلطة، ترتفع حساسية الأسعار لأي صدمات إضافية في سلاسل إمداد الوقود أو الأسمدة أو اللوجستيات.
المقدمة
سجّلت عقود الذرة في بورصة شيكاغو (CBOT) ارتفاعات على مدى عدة جلسات متتالية في أوائل مارس 2026، مدعومة بصعود أسعار النفط إلى مستويات تفوق 85 دولارًا للبرميل وعودة الخام إلى التداول فوق 100 دولار في بعض الجلسات، وهو ما يعزز كلفة الوقود والشحن عالميًا ويرفع جاذبية الذرة كمدخل لإنتاج الإيثانول الحيوي.
في البرازيل، أبقت شركة الإمدادات الوطنية (CONAB) تقديرات محصول الذرة لموسم 2025/26 قرب 138–139 مليون طن، وهو واحد من أكبر المواسم تاريخيًا، مع تعديلات شهرية طفيفة فقط على المحصول الثاني والثالث. في أوروبا، يشير تقرير اتحاد “رايفايزن” الألماني إلى توسع متواضع في المساحة المزروعة بالذرة الحبية في ألمانيا إلى نحو 507 آلاف هكتار، لكن مع غلة متوقعة أقل قليلًا، ما يبقي الإنتاج دون مستوى العام السابق بنحو 4.9 مليون طن.
🌍 الأثر الفوري على السوق
ارتفاع أسعار النفط والاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، لا سيما حول مضيق هرمز، يرفعان تكاليف الوقود والشحن البحري، ويزيدان أيضًا من أسعار مدخلات الأسمدة المعتمدة على الغاز الطبيعي والكبريت. تشير تقديرات صحفية إلى أن نحو ثلث تجارة المواد الخام المستخدمة في صناعة الأسمدة يمر عبر هرمز، ما يجعل أي اضطراب هناك ذا أثر مباشر على تكاليف إنتاج الذرة عالميًا، خاصة في أمريكا الجنوبية وأوروبا.
في الولايات المتحدة، تُظهر بيانات تقارير التزام المتعاملين (CFTC) تحوّلًا واضحًا في مراكز الصناديق والمؤسسات نحو صافي مراكز شرائية في عقود الذرة، مع ارتفاع ملحوظ في صافي المراكز الطويلة خلال الأسابيع الأخيرة حتى أوائل مارس 2026، وهو ما يعكس توقعات ببيئة سعرية أكثر دعمًا أو على الأقل قاعًا سعريًا نسبيًا بعد فترة من الضغط.
على مستوى الأسعار الفعلية، تشير عروض منصة CMB Broker إلى أن الذرة الصفراء الفرنسية (FOB باريس) تدور حول 0.22 دولار/كغم، مقابل 0.17 دولار/كغم للذرة الأوكرانية (FOB أوديسا)، بينما تستقر ذرة النشا العضوية الهندية (FOB نيودلهي) قرب 1.45 دولار/كغم. كما تتحرك أسعار الفشار (البوبكورن) من البرازيل والأرجنتين بين 0.73 و0.80 دولار/كغم حسب المنشأ والمواصفات. هذه المستويات تعكس سوقًا متوازنة نسبيًا لكنها حساسة لأي ارتفاع إضافي في تكاليف الشحن أو الأسمدة. (الأسعار بالدولار الأمريكي وفق بيانات CMB حتى 13 مارس 2026).
📦 اضطرابات سلاسل الإمداد
ارتفاع تكاليف الوقود والشحن ينعكس مباشرة على تكلفة نقل الذرة من مراكز الإنتاج (الولايات المتحدة، البرازيل، أوكرانيا) إلى المستوردين في شمال أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا. أي تشدد إضافي في المرور عبر مضيق هرمز قد يرفع بشكل ملحوظ كلفة شحن الوقود والأسمدة، ما يزيد من مخاطر تأخر الإمدادات إلى مزارعي الذرة في نصف الكرة الجنوبي، خصوصًا في البرازيل حيث يعتمد المحصول الثاني (السافرينيا) على توفر الأسمدة في الوقت المناسب.
في أوروبا، يدعم ضعف اليورو عقود الذرة في يورونِكست من خلال تعزيز القدرة التنافسية للصادرات الأوروبية، لكنه في الوقت نفسه يرفع تكلفة استيراد الأسمدة والوقود المقوّمة بالدولار على المنتجين داخل منطقة اليورو. هذا التوازن الدقيق بين دعم الأسعار للمصدّرين وزيادة التكاليف للمنتجين قد يدفع بعض المزارعين إلى إعادة النظر في خطط الزراعة للموسم القادم.
في الولايات المتحدة، تشير تقارير السوق إلى أن مستويات الأسعار الحالية حفّزت مبيعات قوية من جانب المزارعين، مما يوفر معروضًا وافرًا في السوق المادي ويحد من صعود الأسعار في بورصة شيكاغو رغم الدعم القادم من الطاقة.
📊 السلع الزراعية المحتمل تأثرها
- الذرة: المستفيد المباشر من ارتفاع أسعار النفط (عبر الإيثانول) ومن مخاطر ارتفاع تكاليف الأسمدة، مع احتمال تقليص المساحات في بعض المناطق وتحويلها لفول الصويا.
- فول الصويا: قد يستفيد من تحوّل المزارعين عن الذرة بسبب تكلفة الأسمدة النيتروجينية الأعلى، إذ يحتاج فول الصويا إلى مدخلات نيتروجينية أقل نسبيًا.
- القمح: يتأثر بشكل غير مباشر من خلال المنافسة على المساحات المزروعة والطلب على الأعلاف، إضافة إلى تأثير تكاليف الشحن على تدفقات التجارة العالمية.
- الأسمدة (اليوريا، الفوسفات، البوتاس): ارتفاع تكاليف النقل والمواد الخام عبر هرمز يزيد أسعارها، ما يضغط على هوامش المزارعين ويؤثر في قرارات التسميد والكثافة الزراعية.
- منتجات الذرة الصناعية (نشا الذرة، الإيثانول، أعلاف المركّبات): أي تحرك صعودي في سعر الذرة الخام سينتقل تدريجيًا إلى هذه المنتجات، مع تأثير مباشر على صناعات الأغذية والمشروبات وتغذية الحيوان.
🌎 تداعيات إقليمية على التجارة
من المتوقع أن تظل البرازيل لاعبًا محوريًا في سوق الذرة التصديرية، إذ تشير تقديرات CONAB وتقارير السوق إلى إمكانية تصدير ما يقارب 45–47 مليون طن في موسم 2025/26، رغم التراجع الطفيف في الإنتاج الإجمالي مقارنة بالموسم القياسي السابق. ارتفاع تكاليف الأسمدة قد يضغط على هوامش المزارعين البرازيليين، لكن أسعار الصرف المحلية والدعم اللوجستي النسبي عبر موانئ الشمال تبقي البلاد منافسًا قويًا في أسواق آسيا والشرق الأوسط.
الولايات المتحدة تظل المرجع السعري الرئيس عبر CBOT، مع استمرار الصادرات القوية نسبيًا واهتمام صناديق الاستثمار بالذرة كأداة تحوّط في بيئة طاقة متقلبة. في أوروبا، قد يسمح ضعف اليورو بتعزيز صادرات الذرة من فرنسا ورومانيا إلى أسواق شمال أفريقيا، لكن ارتفاع تكاليف المدخلات قد يحد من نمو الإنتاج على المدى المتوسط.
بالنسبة لأوكرانيا، تبقى الذرة الأوكرانية (FOB أوديسا) عند مستويات سعرية تنافسية (حوالي 0.17 دولار/كغم)، ما يحافظ على جاذبيتها للمستوردين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، شريطة استمرار القدرة على الشحن عبر الممرات المتاحة في البحر الأسود.
🧭 آفاق السوق
على المدى القصير، من المرجح أن تظل أسعار عقود الذرة في نطاق مدعوم، مع ميل صعودي محدود، ما دام النفط فوق مستويات 80–85 دولارًا للبرميل وبيئة الأسمدة متوترة. أي تصعيد إضافي في المخاطر حول مضيق هرمز أو اضطرابات في إمدادات الغاز الطبيعي قد يرفع علاوة المخاطر في أسعار الذرة والأسمدة معًا.
سيراقب المتعاملون خلال الأسابيع المقبلة: تحديثات CONAB وUSDA لمحاصيل الذرة في البرازيل والولايات المتحدة، تطور مراكز الصناديق في تقارير CFTC، مسار أسعار النفط، وأي إشارات من المزارعين حول نوايا الزراعة بين الذرة وفول الصويا في نصف الكرة الشمالي. كما سيبقى فارق السعر بين الذرة الأمريكية والبرازيلية والأوكرانية عنصرًا حاسمًا في توجيه تدفقات التجارة.
رأي سوق CMB
من منظور استراتيجي، يمثّل التلاقي بين ارتفاع تكاليف الطاقة والأسمدة، ووفرة المعروض المادي من الذرة، نقطة توازن دقيقة في سوق الحبوب العالمي. على المتعاملين التجاريين والمستوردين استغلال فترات الهدوء النسبي في الأسعار لتأمين جزء من احتياجاتهم المستقبلية، مع الحفاظ على مرونة في توقيتات الشراء تحسبًا لزيادات محتملة في تكاليف الشحن أو اضطرابات لوجستية.
بالنسبة للمزارعين، تشير الإشارات الحالية إلى أن قرارات تخصيص المساحات بين الذرة وفول الصويا ستلعب دورًا حاسمًا في تشكيل منحنى الأسعار لموسمي 2026/27 و2027/28. تظل الذرة سلعة ذات مخاطر وفرص متزايدة في بيئة طاقة غير مستقرة، ما يجعل إدارة المخاطر (التحوّط بالعقود الآجلة والخيارات) أداة أساسية لجميع الأطراف في سلسلة القيمة.



